2026/06/19

الاِفتتـــــــــاحيّـــــة

   في زمن لم تكن فيه الوسائل الرّقمية متاحة كما هي اليوم، صدرَت مجلّة «سلاحُ النّقد» باعتبارها التّعبير النظري عن الشيوعيين الماويين في تونس. يومها، كانت الكتابة تتمّ عبر الآلة الكاتبة الكلاسيكية، ثمّ

تُنسخ المواد بالتصوير (photocopie)، في ظروف ماديّــة شديدة الصّعوبة. ولم تكن المشكلة تقنية فقط، بل فكرية أيضًا، إذ كان الوصول إلى المصادر الماركسيّة، وخاصة أدبيات المنظمات الثّــوريّــة، أمرًا معقّــدًا ومحفوفًا بالعوائق والمخاطر ولذلك لم يكن العمل النظري مجرّد نشاط ثقافي هامشي، بل كان جزءًا من الصّراع ذاته، ومحاولة لبناء وعي ثوريٍّ مستقل في مواجهة العزلة الفكرية وهيمنة الخطابات السّـــائدة.

     ورغم هذه الظروف، شهدت تلك المرحلة إنتاج عدد من الكراسات الفكرية المهمّة التي تراوحت بين التأليف والترجمة، مثل: المسألة الدينية، المسألة القومية، التروتسكية تيار مضاد للشيوعية، ضد التصفوية، ضد الإصلاحية، ضد الشرعوية، الداروينية والماركسية، حوار مع غونزالو، وحوار مع بارشندا. ولم تكن هذه الأعمال مجرّد نصوص نظرية معزولة، بل كانت تعبيرًا عن معركة أيديولوجية حقيقيّة. فقد خاضت الشيوعية الماوية في تونس صراعًا مزدوجًا: من جهة ضد السلطة السياسية القائمة، ومن جهة أخرى ضد تيارات داخل اليسار اُعتُبرت منحرفة عن الخطّ الثوري، سواءً عبر الإصلاحية أو التصفوية أو الشرعوية فضلا عن الصراع ضد اليمين الدّيني والقومي.

   كما عبّرت المجلة عن طموح فكري واسع، لم يقتصر على السياسة المباشرة، بل امتدّ إلى قضايا الدين والقومية والفلسفة والعلم، بما يعكس رغبة في بناء رؤية شاملة للعالم انطلاقًا من المادية الدّيالكتيكية والتّاريخية. فالماركسية اللينينية الماوية هنا لا تُفهم بوصفها برنامجًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها أداة لتحليل المجتمع والتاريخ والفكر والطبيعة.

   وقد لاقت هذه الإصدارات قبولًا في أوساط المهتمّين، إلاّ أن انتشارها بقي محدودًا بسبب ضعف الإمكانيات والظروف السياسية القائمة آنذاك. ثم جاءت انتفاضة 17 ديسمبر 2010 لتفرض واقعًا جديدًا غيّر أولويّات العمل الثّوري. فقد انتقلت الأولوية من الإنتاج النظري إلى التدخل السياسي المباشر، وهو ما تجسّد في إصدار جريدة «طريق الثورة» التي استمرّت لسنوات قبل أن يتوقّف صدورها خلال العامين الأخيرين.

   هذا التحول لم يكن معزولًا عن طبيعة المرحلة؛ ففي لحظات الانفجار الشعبي تصبح الحاجة إلى التعبئة والتنظيم والتوجيه السياسي أكثر إلحاحًا من النقاشات الفكرية الطويلة. غير أن التجربة نفسها أظهرت لاحقًا أن تغليب السياسي على النظري لفترة طويلة يؤدي إلى فراغ فكري وإلى ضعف القدرة على فهم التحوّلات الجديدة.

   ومن هنا يمكن فهم الحديث عن "انقلاب في العلاقة بين السياسي والنظري" في تونس والوطن العربي. فبعد سنوات من هيمنة العمل السياسي المباشر، عادت الحاجة بقوّة إلى إعادة بناء العمل الفكري والنظري، خاصة مع صعود أشكال متعددة من الخطابات والأيديولوجيات اليمينية، سواءً في صورة شعبوية أو فاشية جديدة أو طائفية أو نزعات عشائرية أو أشكال مختلفة من الإرهاب الدّيني والحرب الرّجعية ضدّ البروليتاريا والشعوب والأمم المضطهَـــدة.

   لقد أصبحت السّاحة الفكرية العربية تعيش حالة من التشوش الأيديولوجي، حيث تنتشر الأفكار بسرعة، لكن دون تمحيص نقدي حقيقي. كما ساهمت وسائل الإعلام الحديثة ومنصّات التواصل الاجتماعي في تعميم ثقافة الاستهلاك السريع للأفكار والشعارات، على حساب التحليل العميق والدراسة المنهجية. وفي ظل هذا الواقع، تصبح العودة إلى مجلة «سلاح النّقد» محاولة لإعادة الاعتبار للصّراع النّظري بوصفه جزءًا أساسيًا من أيّ مشروع تغييري.

   غير أن العودة إلى العمل النظري لا تعني تكرار نصوص الماضي أو الاكتفاء بإعادة إنتاج الشّعارات القديمة، بل تستوجب مواجهة الأسئلة الجديدة التي يطرحها الواقع المعاصر. ولذلك يطرح الواقع النظر في جملة من القضايا التي تستوجب الدراسة، مثل الشعبوية والفاشية في عصرنا، والحرب، والطائفية والعشائرية، والإرهاب الديني، والمسألة الفلاحية، والديمقراطية، والحركة النقابية، والمسألة النسوية، والإمبريالية المعاصرة، والديالكتيك، إضافة إلى التطورات العلمية والتقنية.

   إن أهمية هذه القضايا تكمن في أنّها تعكس تحولات عميقة عرفها العالم خلال العقود الأخيرة. فالرأسمالية اليوم لم تعد فقط نظامًا اقتصاديًا، بل أصبحت تنتج أنماطًا جديدة من الهيمنة الثقافية والإعلامية والتكنولوجية. كما أن صعود اليمين الشعبوي عالميًا، وتفكّك الرّوابط الاجتماعية، وتنامي النزعات الهويّاتية والطّائفية، كلّها ظواهر تفرض على الفكر الثوري أن يطوّر أدواته التحليلية وأن ينظّف مجدّدا أسلحته.

سلاحُ النّقد

       

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق