بقلم فريد
لم تعد الحرب، في معناها المعاصر، مجرّد مواجهة عسكريّــة بين جيوش نظامية تتقابل في ساحات محدّدة، كما لم يعد التفوّق العسكري يُقاس فقط بعدد الجنود وحجم التُّرســانة ونوعيّة الطائرات والدبّابات والسفن. فقد شهدت ظاهرة الحرب عبر التاريخ تحوّلات عميقة مَسّت بنية العمل العسكري ذاته، وأعادت تعريف العلاقة بين القوّة والضعف والبندقية والسياسة والإنسان والتكنولوجيا.
وإذا كان الفكر الاستراتيجي الكلاسيكي قد
انشغل بسؤال:
كيف ينتصر الجيش في الحرب ؟ فإنّ الفكر المعاصر أخذ يطرح أسئلة إشكاليّة مثل: ما هو العامل الحاسم في الحرب ؟ أين تبدأ الحرب وأين تنتهي ؟ وهل ما زالت
الدّولة تحتكر القدرة على امتلاك القوّة العسكريّة ؟ وهل يمكن لتكنولوجيا رخيصة أن
تمنح قوّة ضعيفًة قدرة على تهديد عدوّ قويّ؟
إنّ تتبّــع تاريخ التفكير في الحرب يكشف أنّها
ليست ظاهرة ثابتة، وإنّما هي مرآة لتحوّلات المجتمعات والطّبقات والأمَم والدّول.
فمن سون تزو وثوسيديدس وابن خلدون، مرورًا بكلاوزفيتس وجوميني وليدل هارت، وصولًا
إلى ماوتسي تونغ وجياب وفانون وغيفارا، ثم إلى منظري مكافحة الثّورات المسلحة تتغيّــر
أدوات الحرب، لكن بعض أسئلتها الأساسية تظل ثابتة.
الأولى: الحربُ بين القُــوّة
والعقـــل
وبذلك نقل سون تزو مركز الثّقل من تدمير
القوّة المادية للعدوّ إلى تفكيك قدرته على المقاومة. فالعدوّ لا يُهزم بالضّرورة عندما تُباد قوّاتــه، وإنّما قد يُهزم عندما
يفقد القدرة أو الرّغبة أو الإرادة في مواصلة الحرب.
أمّــا ثوسيديدس(3) فقد قدّم نموذجًا مختلفًا ولكنه مكمّل؛
إذ جعل الحرب موضوعًا للتحليل التاريخي والاستراتيجي الواقعي، مستبعدا تدخّل
الآلهة في مصيرها. ومن خلال تحليل الحرب البيلوبونيسية(4)، أظهر أنّ
سلوك الدّول لا تحكمه المبادئ الأخلاقية وحدها، بل تتداخل فيه اعتبارات الخوف
والمصلحة والقوة. ولهذا أصبح فكره أحد المصادر الكبرى للواقعية السياسية الحديثة.
فالحرب عنده تكشف، في لحظات الأزمة، الحدود الفعلية للقيم عندما تصطدم بموازين
القوى.
عربيا، يقدّم ابن خلدون(5) إسهامًا بالغ الأهمية، فقد نقل
تحليل الحرب من المجال العسكري الضيّق إلى المجال الاجتماعي والعمراني.
فمفهوم العصبيّة يفسّر كيف تستطيع جماعة محدودة العدد والموارد بناء قوّة
سياسية وعسكرية تفوق أحيانًا ما يوحي به حجمها المادّي، والنبيّ محمد نفسه ما كان
لينتصر لو لم تكن معه عصبية قريش. كما أنّ تمييزه بين الأسباب الظاهرة للنصر،
كالكثرة والعُدّة، والأسباب الخفيّـة، كالمعنويات والخداع والتماسك الاجتماعي،
يجعل الحرب ظاهرة تتجاوز الحسابات الكميّـة إلى ما هو نوعي. وهنا تظهر فكرة ذات
أهمية فلسفية
وهي أنّ القوّة ليست ما تملكه الجماعة فقط، وإنّـما ما
تستطيع تحويله إلى إرادة وفعل منظّم من خلال العقل. والحصيلة أنّ النّصرَ في الحرب يقوم على ديالكتيك العلاقـــة بين
العقل والقوّة.
الثانية: من الحرب بوصفها فنًّا إلى الحرب بوصفها علمًا
مع نشوء الدولة الحديثة والجيوش النظامية، أخذ التفكير في الحرب يتّجه نحو بناء قواعد ومبادئ قابلة للتعليم والتطبيق. ويمثّـل أنطوان هنري جوميني(6) أحد أبرز وجوه هذا الاتّــجاه؛ فقد حاول استخراج مبادئ عامة من الحروب النابليونية، مركّزًا على خطوط المواصلات، ونقاط الارتكاز، والجغرافيا، وتكثيف القوة. وهكذا ظهرت صورة للحرب أقرب إلى الهندسة العسكرية، حيث يمكن للقائد، من خلال معرفة المبادئ الصّحيحة، أن يحسن تنظيم الحركة والقوة في مسرح العمليات. بمعنى أنّ الحرب كفّت عن أن تكون فنّــا لكي تتحوّل إلى علم.
وقبل ذلك كان كارل فون كلاوزفيتس(7) قد
رفض بصورة ضمنية الاعتقاد بأنّ الحرب يمكن اختزالها في مجموعة من القواعد
الميكانيكية. معتبرا إيّاها امتدادًا للسياسة ولكن بوسائل أخرى، ورأى أنّ الفعل
العسكري لا يُفهم خارج الغاية السياسية التي تحرّكه. كما صاغ مفهوم الثالوث
الغريب الذي تتفاعل فيه العاطفة الشعبية، والصدفة والمغامرة العسكرية، والعقل
السياسي للدولة. ويكشف هذا التصور أن الحرب تجمع في آن واحد بين عناصر يمكن
تنظيمها وعناصر يستحيل التحكم فيها بالكامل.
ورغم
الاتّــجاه ناحية الاعتقاد أنّ الحرب علم في عصرنا فإنّ ليدل هارت(8)
يحدّ من ذلك الاعتقاد، معيدا الاعتبار لفكرة المناورة والحيلة من خلال
مفهوم الاقتراب غير المباشر من العدوّ، تفاديا للخسائر، فالاستراتيجية الأكثر فعالية ليست بالضرورة التي تواجه القوة القصوى للخصم
مباشرة، وإنّــما التي تجعله يفقد توازنه قبل المعركة أو تجعل قوّته نفسها أقل
فاعلية، وصولا إلى توجيه الضربة القاضية.
وهكذا يلتقي
ليدل هارت (العصر الحديث) مع سون تزو (العصر القديم) في تأكيد أنّ القوة الاستراتيجية لا تكمن فقط في مقدار القوّة، بل في طريقــة استخدامها
وفي اختيار المكــان والزّمــان اللذين تصبح فيهما قــــوّة الخصم عبئًا عليه وهو
ما يقرّبنا من استنتاج أنّ الحربَ فــنّ وعلــمٌ في الوقت ذاتــه.
الثالثة: من حروب الدُّول إلى حروب الشُّعوب
شهد
القرن العشرون تحولًا جوهريًا آخر: دخول الشعوب والطّبقات إلى قلب العمليّة
العسكرية بصورة منظمة ومتزايدة قياسا إلى القرون السابقة. فلم تعد الحرب حكرًا على
الجيوش النظامية، بل أصبحت الشعوب نفسها تخوض حروبها فظهر مفهوم الحرب الشعبية
ونظريّـتها.
وهنا تغيّر مفهوم
الزمن في الحرب. فبدل البحث عن معركة حاسمة فورية، تصبح الحرب عملية تراكمية تتطور
من الدفاع الاستراتيجي إلى التوازن الاستراتيجي ثم إلى الهجوم الاستراتيجي. ويصبح
الشعب نفسه مصدرًا للقوّة، بحيث تمّـحي الحدود بين العسكري والسياسي. فالحزب
نفسه يتحوّل الى قوة قتالية وتنظيم الطبقة والشعب يتم في خضم الكفــاح المسلّــح
حيث يأتي المنخرطون الجدد إلى الحزب الشيوعي أفواجا ويكون المقاتل في جيش التحرير
الشعبي فلاّحــا بصورة رئيسية وقد ارتدى الكسوة العسكرية، يقول ماوتسي تونغ:
"هناك قوى هائلة جدا تكمن لدى الفلاحين، إذا استطعنا أن
ننظّمها ونقودها كما ينبغي فسوف نتمكن من جعل الجيش الياباني يشتغل بها ليل نهار
وتخور قواه
وقد طُبّــقت أفكار ماوتسي تونغ حول الحرب
الشعبية بصورة خلاّقــة في الصّين فكان الانتصار الكبير في 1949 على الإمبرياليين
اليابانيين والرجعيين الصينيين.
وقد
وجد هذا النموذج تطبيقًا بالغ الأهمية أيضا في تجربة الفيات كونغ في فيتنام.
فقد استطاع فونغوين جياب(10) الجمع بين حرب العصابات والعمل السياسي
وبين بناء قوة نظامية قادرة في اللحظة المناسبة على خوض معارك تقليدية وغير
تقليدية واسعة. ولذلك لا تكمن أهمية تجربة جياب في مجرّد تقليد النموذج الصيني، بل
في تحويل أفكار ماوتسي تونغ إلى
استراتيجية تحرّر وطني من خلال الحرب الشعبية طويلة الأمد.
ويضيف فرانز فانون(12)، في علاقة
بالثورة الجزائرية، بُعــدًا فلسفيًا ونفسيًا إلى هذه النظريات. فالعنف
الكولونيالي، في نظره، لا يسيطر على الأرض فقط، بل يُــنتجُ علاقة نفسيّــة تقوم
على الإذلال والقهر والدّونيّــة. ولذلك يمكن للعنف الثوري خلال المقاومة المسلحة، أي في سياقه التحرّري، أن
يتحوّل إلى فعل لاستعادة الذات والكرامة. ومن هنا تصبح حرب العصابات التحرّرية عند
فانون لا مجرّد صراع على السّلطة، بل صراعًا على إعادة بناء الإنسان
المستعمَر لذاته وهويّته. وهذه الفكرة وجدت لدى جون بول سارتر شرحا في
تقديمه لكتاب فانون : معذبو الأرض.
الرابعة : القضاء على
الثورات المسلّحة
إذا
كانت نظريات الحرب الثّــورية قد اهتمت بكيفية إضعاف والقضاء على الدولة الرجعية،
فإن منظّري مكــافحة الثّــورة المسلّحة اهتمّـوا بالسّــؤال المعـاكس: كيف تستطيع الدولة هزيمة حركة مُسلّحة لا تستطيع مواجهتها بالطريقة
التقليدية ؟
يبرز
هنا ديفيد غالولا(13) الذي رأى أنّ مكافحة ما يسمّيه التمرّد لا يمكن
اختزالها في القضاء على المقاتلين، لأنّ المتمردين يستمدّون قدرتهم على البقــاء
من البيئة الاجتماعية والسياسية المحيطة بهم. ولذلك تصبح السيطرة على السكّان،
وكسب الشرعية، وعزل المتمردين عن مصادر دعمهم، وبناء مؤسسات الدولة، جزءًا من
المعركة نفسها.
وهنا تظهر مفارقة مهمّة: النظريّتان اللّــتان
صاغهما المتمردون والدولة تشتركان في اكتشاف واحد، هو أن الشعب يمثّــل مركز الحرب. فالمتمرّد لا يستطيع البقاء من دون قاعدة اجتماعية، والدولة لا تستطيع
الانتصار بمجرد امتلاك قوة نارية أكبر لذلك تكون المعركة هنا في وجه من وجوهها حول
من يفوز بقلب الشعب.
الخامسة : من الحرب الفعلية إلى حرب الرّدع
مع
ظهور السّـــلاح النّــووي، تغيّــر مفهوم الحرب مرة أخرى. فقد أصبح امتلاك القوة
قادرًا على منع استخدامها. وهنا يأتي توماس شيلينغ(14) الذي درس
الصراع الاستراتيجي في إطار نظرية الألعاب، أي أنّـه طبّق نظرية الألعاب على
الاستراتيجية العسكرية وحتّى السياسية وأظهر أنّ التّــهديد يمكن أن يصبح أداة
سياسية بحدّ ذاته. ففي العصر النّــووي، لم يعد السؤال
فقط: "كيف أستطيع تدمير العدوّ ؟"، بل أصبح: كيف أُقــنعُ العــدوّ بأنّـــني مستعدّ لتحمّــل تكلفة التّــدميــر المتبــادَل
؟
وهكذا انتقلت
الحرب جزئيًا من مجال الفعل إلى مجال التّــهديد، ومن القدرة على الضرب إلى القدرة
على الإقناع بأن الضربة ممكنة، وهذا التحـــوّل يكشف بعدًا فلسفيًا مهمًا وهو أنّ
القُـــوّة قد تصبح أكثر فعاليّــة عندما لا تُستخدم. فالرّدع يقوم على إنتاج سلوك
معيّن لدى الخصم من خلال احتمال العنف، لا من خلال العنف نفسه، ومن ثمّـــة فإنّ
الصّراعات مرتبطة دوما بمساومات فمهما بلغت حدّتها ينبغي الاحتفاظ بإمكانيات
للتراجعات من خلال المفاوضات وبالتالي نسج خيوط تفاهمات ضمنية تجنّبا للأسوإ الذي
يمكن أن يعصف بالطرفين المتحاربين في نفس الوقت، ففي الصّراع النووي يمكن تجنّب
الحرب الشاملة من خلال التقيّــد بقوانين اللّــعبة وترك الخطوط الهاتفية السّــاخنة
مفتوحة على الدّوام.
السادسة: سرعة القرار والحرب المعلوماتية
مع جون
بويد(15) انتقل مركز التفكير الاستراتيجي من القوة المادية
إلى سرعة التكيّف، وتختصر حلقة: الملاحظة، والاتّجاه، والقرار، والفعل، الحرب باعتبارها صراعًا بين نظامين
للمعرفة والقرار، فالخصم الذي يرى الواقع بصورة أسرع،
ويفسّره بصورة أفضل، ويتّخذ قراره قبل خصمه، يستطيع أن يفرض عليه واقعًا جديدًا
باستمرار. ومن هنا تصبح الحرب في جزء منها صراعًا على الزمن والمعلومة
والإدراك.
وهذا المبدأ يكتسب أهمية أكبر في العصر
الرقمي؛ إذ لم تعد المعلومة مجرّد عنصر مساعد للعمليات العسكرية، بل أصبحت ساحة من
ساحات الصّراع نفسها. فالحرب الحديثة تُخاض في السّــماء وعلى الأرض والبحر، لكنّها
تُخاض أيضًا في الشبكات والفضاء الإلكتروني ومجال المعلومات والذكاء الاصطناعي
والصورة والرأي العام.
السابعة : الحرب غير المتماثلة واِمتلاك السّمـــــــاء
يصل
هذا المسار التاريخي إلى نقطة جديدة مع انتشار التكنولوجيا العسكرية الرّخيصة
نسبيًا، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة. فقد كان امتلاك القدرة الجوية، تاريخيًا،
من أكثر مظاهر التفوُّق ارتباطًا بالدولة الحديثة؛ إذ يتطلب إنشاء سلاح جو متطوّر
طيّــارين مدرّبين، وقواعد جوية، وصيانة معقّــدة، ورادارات، وشبكات قيادة وسيطرة،
أي قدرات ماليّــة ضخمة.
لكنّ المسيّرات غيّرت جزءًا من هذه المعادلة. فأصبح بإمكان فاعلين أقلّ
موارد، وأحيانًا فاعلين من غير الدُّول، امتلاك قدرة على الاستطلاع أو الضّــرب أو
الاستنزاف الجوّي بكلفة أقـــلَّ بكثير من كلفة الطّـــيران التقليديّ.
وكثر الحديث في علاقة بذلك عن مفهوم الـــحرب
غير المتمـــاثلة، الذي يعني أنّ الطرف الأضعف لا يواجه الطّــرف الأقــوى مباشرة
غالبا وإنّــما يحاربه بصورة غير مباشرة جرّاء التفاوت الكبير في القوّة مثل الضّرب
بقـــوّة وبسرعة ثمَّ الهروب: أضرب وأهرب / استعمال المعرفة بالأرض للتخفّي /
إطالة أمد الحرب الخ.. بما يرهق العدوَّ حتى تخور قُـــواه، وهو ما عبّر عنه
ماوتسي تونغ بقوله: "يقاتلون على طريقتهم ونقاتل على طريقتنا".
ومن هنا يمكن الحديث عن انهيار جزئي لاحتكار
السّـــلاح الجــوّي. فالمُسيّـــرة الرّخيصة لا تجعل الفاعل
الضّعيفَ مساويًا للقوّة الجويّــة الكبرى، لكنّها تمنحه شيئًا كان محرومًا منه في
السّابق: القدرة على التّــأثير في المجال الجوّي وتهديد أهداف ذات قيمة، ولو ضمن
حدود تكتيكيّــة واستراتيجيّــة مُعيّــنة.
وقد برزت هذه الظاهرة في تجارب متعدّدة، من
استخدام المسيّرات التجارية والمعدّلة في النّزاعات غير النظامية، إلى الاستخدام
واسع النّطــاق للمسيّرات الصّغيرة في الحرب الرّوسية-الأوكرانية، والحرب
الإيرانية-الأمريكية "الإسرائيلية"، حيــث أصبحت المسيّرات جزءًا من
الاستطلاع والاستهداف والهجوم والاستنزاف.
كما أثبتت هجمات جماعات مُسلّحة أنّ امتلاك قوّة
جويّــة تقليدية ليس شرطًا مطلقًا لإحداث تأثير في البنية التحتية أو الملاحة أو
المنشآت الحسّــاسة. وامتلك بعضها (الجماعات المسلّحة) المسيّـــرات والصّواريــخ
البالستيّة بدعم من دول ترعاها مثل حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن بينما
لم يتمكّــن الثوّار الشيوعيون الماويّــون في الهند والفلبين والغيفاريون في
أمريكا اللاتينية على الأرجح من امتلاك هذه القدرات حتى الآن، رُبّمـــا لغياب
دولة تدعمهم.
لكنّ هذا لا يعني أنّ عصر الطائرات التقليدية
قد انتهى. فالمسيّرةُ الرّخيصة لا تستطيع، في صورتها البسيطة، أن تَحُــلَّ محلَّ
طائـــرة مقاتلة متقدّمة في السّيطرة الجويّـة أو تنفيذ عمليّات بعيدة المدى أو
حمل ذخيرة كبيرة أو العمل في بيئة شديدة التعقيد. والأرجح أنّ المستقبل لا يتّجه
إلى استبدال الطائرة بالمسيّرة، بل إلى نظام قتالي هجين تتكامل فيه
الطائرات المأهولة وغير المأهولة، وصواريخ كروز والصواريخ البالستية الفرط صوتيّـة
بأنـــواعها المُـــختلفة والذّكـــاء الاصطنــاعيّ، والاستشعار، والحرب
الإلكترونية، والدّفاعات الجوية. وهكذا لا ينبغي فهم التكنولوجيا
الجديدة باعتبارها تلغي التكنولوجيا القديمة، بل باعتبارها تعيد توزيع وظائفها
داخل منظومة جديدة.
الثامنة: التكنولوجيا لا
تلغي عدم التماثل، بل تعيد إنتاجه
المفارقة
الأساسية في التكنولوجيا العسكرية المعاصرة هي أنّــها قد تمنح الضعيف أدوات
جديدة، لكنها تمنح القويّ كذلك أدوات جديدة للدفاع والهجوم. فكلّــما انتشرت
المسيّرات، تطوّرت الحرب الإلكترونية وأنظمة التشويش والاعتراض والدّفــاع الجوّي
واللّيزر وغيرها من الوسائل المضادّة. لذلك فإنّ السُّــؤال الحقيقي ليس: هل ستُمكّن التكنولوجيــا الضّعيفَ من أن يصبح مساويًا للقويِّ ؟ بل: هل خفّضَت التكنولوجيا تكلفة الدُّخول إلى ميدان القُــوّة بما يكفي لتغيير
طبيعة عدم التّمـــاثلِ ؟
والجواب يبدو إيجابيًا، ولكن بصورة جزئية. لقد
أصبح بإمكان جماعة محدودة الموارد أن تسبّبَ خسائر أو اضطرابات لا تتناسب مع
حجمها، وأن تجبر دولة غنية على إنفاق موارد ضخمة للدفاع ضدَّ وسائل أرخص بكثير.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات أهميّـة في الحرب المعاصرة: قد تكون تكلفة الهجوم
أقلّ بكثير من تكلفة الدّفـــاع.
إنّـــها عودةٌ، بصورة تكنولوجية جديدة، إلى
حدس سون تزو وابن خلدون وماو وليدل هارت ومضمونه: ليس المهمُّ مقدار القُـــوّة التي يمتلكها الطّرفــان، وإنّــما كيفيّة
تحويل نقاط القوّة والضّعف إلى علاقات فعليّة في ميـــدان الصّـــراع.
التاسعة : هل نحن أمام نهاية الحرب التقليديّة ؟
لا
يبدو أنّ العالم يتّجه نحو نهاية الحرب التقليدية كما أسلفنا، وإنّمــا
نحو تعدّد أشكال الحرب داخل النّــزاع الواحد. فقد نجد في الحرب نفسها الطائرات المقاتلة والدبّــابات والمدفعيّة إلى
جانب المسيّرات الصّغيرة، والقــوّات الخاصة، والهجمات السيبرانية، والحرب
الاقتصادية، والتضليل الإعلامي، والضغط الدبلوماسي.
وبذلك لم يعد من الدّقيق الفصل الحــادّ بين
"الحرب النظامية" و"الحرب غير النظامية". فالحروب الحديثة
تميل إلى المزج بينهما. ويمكن لدولة أن تستخدم جيشًا نظـــاميًا إلى جانب جمـــاعات
مسلّحة حليفة، ويمكن لجماعة ثوريّــة مسلّحة أن تستخدم تكنولوجيا متقدّمــة، ويمكن
للمواجهة العسكرية أن تترافق مع حرب معلومات واقتصاد وعقوبات وضغوط سياسية.
وهذا يقود إلى إعـــادة تعريف
مفهوم الحرب غير المتمـــاثلة. فهي ليست ببساطة حرب
الفقير ضدَّ الغنيّ، أو حرب العصـــابات ضد الجيش النظامي، وإنّـــما هي حالة يَستخدمُ
فــيها الطّرفـــان أنماطًا مختلفة من القوّة بحيث يتجنّب الطّرف الأضعف
المجالات التي يتفوّقُ فيها خصمه ويحاول نقله إلى مجالات أخرى يستطيع فيها إلحـــاق
الضّررِ بــه.
العاشرة : من السّيفِ إلى المسيّرة : ما الذي تغيّـــر وما الذي بقيَ ؟
عند
النّظر إلى التّـــاريخ الطّويل للفكر العسكريّ، يمكن ملاحظة أن التكنولوجيا تغيّر
الأدوات، لكنّها لا تلغي بعض المبادئ العميقة للحرب، ويظلُّ الإنسان كما يقول
ماوتسي تونغ هو العامل الحاسم في أيّ حرب.
وهنا
أيضا ينبغي العودة إلى حديث سون تزو عن الخداع، حيث ما زالت الحرب الإلكترونية
والمعلوماتية تقوم جزئيًا على الخداع والمخاتلة والغموض. وإلى ابن خلدون الذي تحدّث
عن التماسك الاجتماعي/ العصبية والعامل النفسي، وإلى كلاوزفيتس وربطه بين الحرب والسياسة.
وإلى ماو وجعله البروليتاريــا والفلاّحـــين والشّعب عامّة أساس الحرب الشعبية،
مع التّنبيه إلى أنّ الحروب غير المتماثلة تثبت حتى الآن أنّ السّيطرة على السكّان
والبيئة الاجتماعيّة عمل لا مفرَّ منه لتحقيق النّصر. وإلى ليدل هارت الذي ركّــز
النّظر على الاقتراب غير المباشر، فالتكنولوجيا الحديثة تسمح بتطبيق هذه الفكرة أو
تلك بوسائل جديدة. أي أنّــها لا تقتل الفكر الاستراتيجي القديم والوسيط والحديث،
بل تعيد ترجمته إلى أدوات جديدة، والأبـــقى هو الإنسان.
خاتمة: نحو فلسفة جديدة
للحرب
يمكن
القول إنّ تاريخ الحرب هو، في جانب عميق منه، تاريخ انتقال مركز القُــوّة
من الجسد إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى المعلومة، ومن المعلومة إلى سرعة التكيّف. فالجيوش القديمة كانت تعتمد على العدد والانضباط، والدولة الحديثة أضافت
الصناعة والتنظيم، والحرب الثورية دفعت بالشعب/الجبهة الوطنية المتحدة والحزب
والجيش الشعبي إلى الواجهة، باعتبارها بوصف ماويّ الأسلحة السحرية الثلاث التي
تكفل الانتصار، والحرب النّوويّــة أضافت الرّدع، أمّــا الحرب الرقمية فتضيف سرعة
القرار والمعلومة والشبكات والأنظمة الذاتية.
غير أن التحول الأكبر الذي أحدثته التكنولوجيا
الناشئة لا يكمن في ظهور سلاح جديد فحسب، بل في إعادة تعريف من يستطيع أن
يكون فاعلًا عسكريًا. فالمجال الذي كان حكرًا على الدول بدأ
يفتح أبوابه، جزئيًا، أمام جماعات صغيرة مسلّحة. لكنّ هذا لا يعني اختفاء التفوق
الاستراتيجي للدول الكبرى؛ وإنما يعني أن احتكارها للقوة أصبح أقل مُطلقيّة وأنّ
هزيمتها ممكنة الآن كما بالأمس.
لذلك فإنّ صورة الحرب المستقبلية لن تكون، على
الأرجح، صورة طائرة تحلّ محلّ دبّـــابة، أو مسيّرة تحلّ محلّ مقـــاتلة، بل
صورة منظومة متشابكة من الإنسان والآلة والمعلومة والسياسة. وسيكون التفوّق لمن يستطيع دمج هذه العناصر في منظومة أكثر قدرة على التعلّم
والتكيّف من خصمه. ويظلّ العامل الحاسم كما قلنا الإنسان ومن هنا يجري التركيز عليه
بصورة رئيسية وإذا ارتبط ذلك بالشعب كقوّة أساسية يكون النصر في الأخير فإرادة
الشعوب لا تقهرُ، ممّا يدفع باتّجاه التّساؤُل
في علاقة بالتاريخ وتطوراته ما إن كانت الحرب في النهاية ستقضي على الإنسان أم أنّ
الإنسان هو الذي سيقضي عليها، بمعنى أنّـــه سوف يدرك لا محالة تلك اللحظة التي
تنتفي فيها الحرب لكي يحلّ محلّها السّـــلام الأبديُّ بين البشر بما يذكّر بتلك
الحكمة التي ينسبها كانط إلى حكيم أثينيّ: "إنّ الحرب تُـــنشِئُ
من الأشرار أكثر مما تلغي"(16) والتي لا يَـــخفى تناقضها مع
إشارات وتنبيهات هيراقليطس في شذراته التي كنّا ألمحنا إلى بعضها في بداية المقال،
ممّا يفرض مقارنة مواقف الفلاسفة بخصوص الحرب
ولكن في غير هذا المقام. وفي جوف ذلك الأمــــل تظلّ الحربُ قائمةً، إذ
يبدو أنّ القضاء على الحرب غير ممكن إلّا من خلال الحرب نفسها.
وبالعودة إلى سون تزو وجون بويد فإن المسافة
بينهما أقصر ممّا قد تبدو عليه زمنيًا: الأوّل يقول إنّ الانتصار يتأسّس على معرفة
العدوّ والنفس، والثاني يجعل سرعة الملاحظة والتوجيه والقرار والفعل جوهر التفوّق.
وبينهما يقف كلاوزفيتس ليذكّرنا بأنّ كلّ هذه القدرات لا تكتسب معناها إلاّ عندما
تخضع لغاية سياسية. أمّا ماوتسي تونغ فإنّ أفكاره حول الحرب الشعبية
طويلة الأمد والمتداخلة تداخل أسنان الكلب والتي يقودها حزب شيوعي ومن حوله جبهة
وطنية متحدة تجمع تحت ظلّــها الأمة بأسرها، تظل محافظة على قيمتها من حيث كونها
الطريق الاستراتيجي لإلحاق الهزيمة بالعدوّ. وهذه الأفكار ينبغي إعادة قراءتها على
ضوء التطورات الحاصلة في المجال التكنولوجي وأيضا على ضوء سير الحروب الشعبية في
عالم اليوم.
وعليه، فإنّ السّؤال المركزي للحرب في القرن
الحادي والعشرين لم يعد فقط: من يملك السّـــلاح الأقـــوى
؟ بل أصبح:
من يستطيع أن يتعلّم
وأن يتكيّف بسرعة أكبر، وأن يؤثّــر
في إرادة خصمه بأقل تكلفة، وأن يحوّل التكنولوجيا إلى أداة سياسية وأن يرتبط
بالشعب وبالطبقة الأكثر ثورية في المجتمع وأن يحسن التدبير والقيادة ؟
الحواشي.
1هراقليطس، جدل الحب والحرب.
2 سون تزو، فن الحرب.
3 ثوسيديدس، تاريخ الحروب البيلوبونيسية.
4 الحرب البيلوبونيسية : جرت بين أثينا واسبرطة بين سنتى
441 و404 ق .م.
5 ابن خلدون، المقدمة.
6 هنري جوميني، ملخص فن الحرب.
7 كارل فون
كلاوزفيتس، في الحرب.
8 ليدل هارت، الاستراتيجيا وتاريخها في العالم.
9 ماوتسي تونغ،
حول الحرب الطويلة الأمد.
10 فونغوين
جياب، حربنا الشعبية، جيشنا الشعبي.
11
Ernesto Che Guevara ,
Textes militaires
12 فرانز فانون، معذبو الأرض، تقديم جون
بول سارتر.
13 ديفيد
غالولا، مكافحة التمرد، النظرية والتطبيق.
14 توماس
شيلينغ، استراتيجية الصراع.
15 جون بويد، مقال: "التدمير والخلق".
16 عمانويل كانط، من أجل سلم أبدي
.
---------------------------------------------------------
سلاح النقد، عدد سبتمبر-أكتوبر-نوفمبر 2026.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق